فخر الدين الرازي

24

تفسير الرازي

وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما أمر علياً أن يقرأ على مشركي مكة ، أول سورة براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله برئ من المشركين ورسوله ، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات ، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة ، وأجاب الله تعالى عنها بقوله : * ( وإن خفتم عيلة ) * ( التوبة : 28 ) أي فقراً وحاجة * ( فسوف يغنيكم الله من فضله ) * فهذا وجه النظم وهو حسن موافق . المسألة الثانية : قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان . وقال قوم : بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة ، وصححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة ، والذي يفيد ههنا التمسك بقوله : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 116 ) ومعلوم أنه باطل . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : النجس مصدر نجس نجساً وقذر قذراً ، ومعناه ذو نجس . وقال الليث : النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء ، ورجل نجس ، وقوم أنجاس ، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس وامرأة نجس . واختلفوا في تفسير كون المشرك نجساً نقل صاحب " الكشاف " عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية ، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم . واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاساً فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل ، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل . واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم ، وأيضاً لو كان جسمه نجساً لم يبدل ذلك بسبب الإسلام . والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن القرآن أقوى من خبر الواحد ، وأيضاً فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدماً على نزول هذه الآية وبيانه من وجهين : الأول : أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضاً كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى ، وكانت المعاهدات معهم حاصلة فأزالها الله ، فلا يبعد أن يقال أيضاً الشرب من أوانيهم كان جائزاً فحرمه الله تعالى . الثاني : أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان ، فلو قلنا : إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان . أما إذا قلنا : إنه كان حلالاً بحكم الأصل ، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل ، ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة ، فوجب أن يكون هذا أولى . أما قول القاضي : لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام . فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح ، وأيضاً أن أصحاب هذا المذهب